محمد أبو زهرة

3462

زهرة التفاسير

تتمة للنهي عن الاستغفار ، وقد كان من المؤمنين من دفعته الرأفة بآله ، أو ذوى القربى أن استغفر لهم ، فكانت الآية لبيان أنه وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ ، لبيان أنه لا مؤاخذة من غير تكليف ، وخصوصا لمن اختار سبيل الهداية . وقوله تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ نفى مؤكد عن ذات اللّه تعالى ، أن يكون منها إضلال لمن اهتدى وعلى قول أكثر المفسرين ، ولتكون الآية مرتبطة بما قبلها ارتباطا وثيقا يكون معنى لِيُضِلَّ الحكم بالضلالة والمؤاخذة عليها ، قبل أن يبين سبحانه ما يتّقى من الضلالة ، فكما أنه سبحانه لا يعذب إلا بعد رسول مبين بمقتضى قوله تعالى : . . . وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ( 15 ) [ الإسراء ] ، وكذلك لا يؤاخذ سبحانه بذنب ارتكب إلا بعد بيان أنه ذنب ، والطريق لاتقائه ، وهذا على أن الهداية التي هداهم اللّه هي الدخول في الإسلام فلا يحاسبك على شرب الخمر إلا بعد النهى عن الشرب ، ولا على الزنى إلا بعد النهى عنه ، ولا على القذف إلا بعد النهى عنه ، ووضع الحدود المانعة من الارتكاب ، وما كان اللّه تعالى ليؤاخذ على الاستغفار إلا بعد النهى عنه ، وفي النهى بيان لما يتقون به المؤاخذة . وقد خطر لي ، وأنا أكتب ، أن يكون المعنى ، وما كان اللّه تعالى ليأخذ قوما ساروا بمقتضى الفطرة الإنسانية ، والميثاق الذي أخذه عليهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ، فهذه هي الهداية الفطرية التي فطر الناس عليها ، فهذا معنى قوله تعالى : إِذْ هَداهُمْ أي وقت أن هداهم في بدء الخليقة وقوله تعالى : حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ أي حتى يبين ما يؤيد الفطرة ويدعمها ، ويبين لها ما تتقيه بأن تجعل بينها وبينه وقاية ، فلا تقع فيه ، والحاجز المانع هو أمر اللّه تعالى ونهيه ، وتكون متطابقة تماما مع قوله تعالى : . . . وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ( 15 ) [ الإسراء ] .